الحلقة الثامنة والعشرون/الخجل

  لكل منا ولا شك اسلوبه وتوقيته مع ال.... تابع القراءة


ما رايكـ؟
ما رأيك في موضوعات برنامج يا رب؟
ممتازة
جيدة
ضعيفة
لا أتابع البرنامج
إستعرض نتائج الإقتراع
مقالات و أفكار المشاهدين
بريق الدولة سراب مهلك (مقال)
  الكاتب :  م. بدر الدين حمدي مدوخ القراءات : 1395 | طباعة |
بريق الدولة سراب مهلك
م. بدر الدين حمدي مدوخ

عرف الناس أن للدنيا عجائب سبع ، وربما جعلوها ثماني ، وغيروا و بدلوا في قائمة هذه العجائب ، لكن الغريب أن الناس نظروا للمحسوس و المنظور من العجائب دون
غيره ، لأن غيره لا يفقهه إلا العقلاء و المفكرين و أصحاب التجارب و الخبرات و خصوصاً أصحاب الدهاء السياسي ، ومن العجائب التي لم يسجلها البشر هي عجيبة سراب الدولة و بريقها الخادع في الحالة الفلسطينية و العربية و كذلك الإسلامية ، والتي أرى أن مخترعها ينبغي أن يعطى وسام الذكاء العالمي بلا منازع في إضاعة حقوق و ثوابت الأمم و الشعوب.

كل شيء يهون من أجل الولة ، حتى الدين و العقيدة و المبادئ و الأخلاق و القيم و القوانين ، وكذلك الإنسان ، فالدولة هدف يجب الوصول إليه و المحافظة عليه بكل وسيلة و مهما كان الثمن، هذه هي عقيدة أنصاف الرجال و أنصاف المثقفين.

لقد حارب العرب الدولة العثمانية أوائل القرن الماضي بهدف قيام دولة عربية ، فضحوا بعقيدتهم و دينهم و أخلاقهم فوالوا أعداء الله ليطيحوا بدولة الإسلام برغم سلبياتها التي لا ينكر أحد وجودها آنذاك ، و شرب العرب خمر الهزيمة و نخب السذاجة فضاعت منهم فلسطين وقسمهم عدوهم إلى دول لكل دولة حرمتها و حدودها و علمها و أمنها ، وانتقل الوعي الإسلامي من مطالبته بجامعة إسلامية إلى جامعة عربية ، إلى أكينة عديدة تبدي مصالحها عن أي شيء ، وضاعت القضية الفلسطينية و ضاعت الأرض بين حدود و مصالح هذه الدول أو تلك بعدما رجع العرب قبائل كما كانوا في الجاهلية لكن بشكل أوسع ، وأصبح لكل قبيلة شيخاً لها لكنهم اختاروا له إسماً حديثاً فسموه رئيس الدولة أو ملك البلاد ليتناسب المصطلح مع تطور العالم و تقدمه.
و في خضم هذه المعطيات انتقلت العدوى إلى القضية الفلسطينية ، فأصاب القائمون عليها من الجهل ما كانوا يعيبونه في غيرهم من العرب و المسلمين ، فأصبحوا ينادون بالدولة ، مما أجبرهم على اتخاذ خطوات تنازلية عملت على تخفيف الحصانة القولاذية ، ولو بالتدريج ، والتي كانت تحيط بالثوابت الفلسطينية. فبدلاً من رعاية المسلمين و العرب للقضية الفلسطينية أصبح يرعاها الفلسطينيون وحدهم في سبيل سراب إسمه الدولة الفلسطينية و عاصمتها القدس.
فأصبح الوضع الفلسطيتي ذو شأن خاص ، وأصبحت فلسطين دولة في مكان ما في هذا الكون ، لكنه غير مرئي و لا محدد ، وكلما أراد الفلسطينيون البحث عن هذا الكيان ، أي الدولة ، طالبهم الموهمون بأثمان شتى حتى لم يعد يملكوا شيئاً إلا وقدموه ، حتى الكرامة و النخوة العربية تم دفعها ثمناً للوصول لذلك الكيان الوهم الذي نبحث عنه!

وبحجة حماية الدولة و بحجة مصالحها و غير ذلك من المصطلحات الخبيثة التي زرعها أعداء الأمة في العقول الواهية و الفارغة ، أصبح التحالف مع العدو ضد المواطن أو العربي الجار أو المسلم الجار ، أصبح عملاً وطنياً بل و أخلاقياً ، و أصبحت ثقافة الذل و الهوان هي المحرك لأصحاب الشأن في هذه الأقطار، فلا ثأر و لا نخوة و لا حمية للدماء و لا للنساء و لا للشيوخ ، فتذبح أفغانستان ، وتحتل العراق و يعدم رئيسها في عيد الأضحى ، ويعلن العدو الصهيوني الحرب على غزة من مصر ، والبلهاء ينظرون و يصفقون حقاظاً على دولهم التي لا محالة سيأتي الدور عليها لتصبح في مكان هلامي ما في هذا الكون.

لقد خدع أصحاب القرار الفلسطيني بجمال كلمة الدولة لدرجة أن هذا الإعجاب جعلهم يسيرون ضد المتعارف عليه في التاريخ البشري و الأعراف القانونية و السياسية ، فكانت الدولة قبل الأرض ، و اقتنعنا بألقاب عدة دون أن يكون لها وزن ، فهذا رئيس و ذاك رئيس وزراء و غيره وزير خارجية إلى غيره من الوزارات ، و لم يبق سوى وزارة الدفاع في حكوماتنا الفلسطينية ، فاستبدلوها بوزارة العمالة و الخيانة بحجة الفاع عن الشعب و لكن ألبسوها ثوب وزارة أو سلطة الأحوال و الشؤون المدنية!

لقد تخلى الفلسطينيون عن أكثر من 70 بالمئة من الأرض من أجل الدولة ! ثم تخلوا عن حقهم في النضال من أجل الدولة! ثم تخلوا عن أخلاقهم و دينهم فاعتقلوا المجاهدين و تركوا المحتل يدربهم و يعطيهم من أجل الدولة! ثم بدأنا نروج للتطبيع مع العدو - خارج حدودنا الوهمية - في سبيل الدولة! ثم أصبح العدو أحرص على الدولة و الشأن الفلسطيني من الذين يحملون أرواحهم على أكفهم و كل هذا من أجل الدولة! و أصبحنا كالمتسولين على موائد اللئام في رواتبنا باسم الدولة! وأصبح لا قرار و لا سيادة باسم الدولة و أملاً في الحصول عليها!

إن الحديث أو المطالبة بدولة فلسطينية هو كالسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، ولا يصحوا على نفسه هذا الظمآن إلا و قد خلع كل رداء كان يلبسه من الأخلاق مروراً بالوطنية وانتهاءاً بالدين و العقيدة ، فيصحوا و الملكان يسألانه في القبر "الهاكم التكاثر ، حتى زرتم المقابر".

إن الدولة تحتاج إلى أرض حرة لتقام عليها و تحتاج إلى مشروع كامل تستنهض فيه الهمم و يستفاد فيه من كل الإمكانات من أجل النهوض بها ، فالحديث عن دولة فلسطينية قبل التحرير هو مهلكة و الحديث عن استقلالية القرار الفلسطيني قبل القدرة على الإعتماد على أنفسنا هو أضحوكة و استهزاء. فالجهود يجب أن تنصب لدعم المقاومة لتحرير أي قطعة من الأرض للإنطلاق منها للأمام لتحرير باقي الأرض عندها نستطيع أن نبنني دولة حقيقية و أن نملك قرارنا و أن لا نجعله ألعوبة في أيدي غيرنا.
إن كان إعلان الدولة الفلسطينية في المنفى في الجزائرالعاصمة في 15يونيو/ حزيران 1988 الباب الأسود الذي صمم لبداية التفاوض مع العدو لتبدأ مرحلة التنازلات ، فإن التنطع بالحرص على إنشاء الدولة الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلوا المشئومة في 13 سبتمبر/ أيلول 1993 كان الباب الذي صمم لبداية العمالة العلنية و المكشوفة مع العدو الصهيوني مما زاد سواد أيلول سوادا في الذاكرة الفلسطينية.



آخر زمان
النصيحة
المحبة كيف نصنعها
توكل على الله
المغرب